كتب محمد إلى صديقه أحمد عاشور يوماً فقال :
أكتب إليك يا أحمد عاشور و النفسُ بين جنةٍ من الأمل تكاد تتساقط أغصان أشجارها ، و هاجرةٍ من اليأس تستعر نارها ، فتحول بين الجفون و غمضتها و النفس و سلامها و القلب و أمنه ..
القلب ! ... أي قلب ! .. فكأني به يهبط شيئا فشيئا من الخوف كالماء في نهاية الانحدار . لا جديد يا أحمد ، سوى أن حالي بين فرحٍ و هَمٍ و سرور و حزن ، قبض و بسط ، أذكر الله و رحمته و إحسانه و رأفته فيشرق لي وجه الحياة الناضر ، ثم أذكر الحياة و صروفها و الأيام و ما أعدت في طياتها من عثرات في الخطوات و نكبات في الغدوات و الروحات ، و ما أخذته على نفسها من عهد بالوقوف حائلا بين أنفسنا و آمالها ، فأضع يدي على صدري أتحسس مكان القلب ، لأتأكد من أن اللوعة لم تذهب به و أن الألم لم يأتي عليه .. فإذا بي أجده، لكن .. لا حيًّا فيرجى و لا ميتا فيبكى ، هكذا بين هذا و ذاك .. يقولون إلتحف بالأمل فهو إزارك إذا ما اشتدت الخطوب ، و أقول ما أسوء الرجاء الكاذب على النفس ، حين يتردد بين جنبيك ، و ما أقسى غصة الضيم حين تتردد بين فكيك لا هي نازلة و لا هي طالعة ... و لست أبالغ في ذلك ، فانظر حولك ! إلى حيث شئت من الناس ، هل تبصر إلا صريعا قتله الأمل ، أو مقعدا أقعده الرجاء ، أو مبتلا عاد عليه الدهر بنوائبه ، أو دائبا وراء غاية يطلبها فلا يقترب منها حتى يبتعد عنها ... أو باكيا كان ينتظر وليدا ففجعته الأيام فيه ... أو واهمًا بأن معنى الحياة الحقيقي في الصدق فإذا ببني البشر يتلقفونه بسوء الظن، لكنني سمعتك تقول قبل ذلك يا أحمد إن في كثير من الآلام التي نعالجها لذائذ ومسرات يدركها من عرفها ، وإنما هي نذر من عالم الغيب ... لقد كتبت سابقا يا أحمد عن "هاوية الفرح" وقد استحسنت ما كتبته واستغربته في حين ... أوَ للفرح هاوية ، قد كنت أظن أن اختلاج الآلام وولوج العثرات يفضي إلى فرح فيه من قمم السعادة ما فيه ... وإذا بك كعادتك تجعلني أفطن إلى عميق المعنى ، وما أراني إلا هناك ، على حافة منزوية من هاوية الفرح .. حيث لاسقوط ولا وقوف ... بين بين ... تكاد تفرح ... تكاد تصل .. تكاد تكون حرا ... تكاد تعثر على وطنك ... تكاد ... تكاد ... غير أن ما وراء ذلك في كل مرة عودة إلى حيث كنت ، بداية الطريق من أول الطريق حتى هناك ... حيث هاوية الفرح ! تكاد تفعل ولا تدرك فلاتسقط ولا تصعد ... حدثني يا أحمد أكثر عن هاوية الفرح ... فإني أدركت أنها حالة أنا متلبسها وهي متلبسة بي ، وخير لي أن ادرك أين أنا فأعد العدة ... ماذا عساني أن أفعل ؟ ماذا عساني أن اعتصم به ؟ وما الذي علي أن اتخلى عنه ؟ وكيف لي بنجاة من السقوط ؟ السقوط ، في هاوية الفرح ... !!!

