أنا أتألّم إذَن أنا موجود
ياسر حارب
يتألّم الإنسان كل يوم، ولا تكاد تخلو ساعة من يومه دون أن تتجلى فيها جدلية الألم و الراحة ، التي تُلازم ابن آدم منذ لحظة و لادته حتى لحظة رحيله .
فمعظمنا يخشى الألم و يرغب بالراحة و هو يعلم بأنها مؤقتة ، أوليس الألم مؤقتٌ أيضاً؟ كلما حكى لي أحدهم عن صراعاته في عمله ، أُدرِكُ بأن الألم الذي تجلبه لنا تلك الصراعات هو من صنعنا نحن لا من صنع الحياة.
فالصراع حكاية ، و لكل حكاية نهاية ، و العاقل هو الذي يعرف كيف يلمّ شتات نفسه خلال الأزمات و يخرج منها بأقل الخسائر.
عندما يخرج أحدنا من مشكلة ما و ينظر وراءه ، يُدرك مدى جهله لأنه عذّب نفسه كثيراً و أشقاها خلال تلك المرحلة ، على رغم علمه بأن المشكلة ستنتهي حتماً. يقول الدلاي لاما: «لا تقلق، فإن لكل مشكلة طريقين، الأول أن يكون لها حل ، و لذلك لا تقلق ، و الثاني ألا يكون لها حل ، فلماذا تقلق؟ ».
إن الألم هو مرحلة تمر في حياة الإنسان ، مثل المراحل الدراسية ، و لكنها مرحلة متكررة ، تكون غالباً من اختيار الإنسان نفسه. و لكن المشكلة ليست في الألم ذاته ، بل في كيفية التعامل معه ، فالإنسان هو الذي يقرر إلى أي مدى يسمح للألم بأن يتمكن من نفسه أو من جسده.
الألم هو حالة ذهنية تصل فيها النفس إلى الحضيض ، حتى يشعر الإنسان بأنه منسحقٌ تحت كومة أفكار و مشاعر سلبية تكاد تنفجر في رأسه . و لكي يتخلص المرء من تلك الحالة ، فإنه يحتاج إلى أن يحلم... نعم ، يحلم بمرحلة ما بعد الألم ، حتى يستشعر الراحة التي ستحل عليه عند بلوغه تلك المرحلة.
أُصبتُ مرّة بمغص حاد فاسودّت الدنيا في عيني ، و بعد أن رحل ، شعرت بأنني قد عدت إلى الحياة ، و في اليوم التالي باغتني نفس المغص ، و عندما تذكرت كيف سيكون شعوري بعده ، بدأ الألم بالانحسار تدريجياً. قد لا يفارقك الألم، و لكنك تستطيع أن تفارقه.
إن كثرة تفكيرنا في آلامنا يحيلها إلى واقع حتى و إن كانت وهماً ، و يضخّمها في أعيننا على رغم ضآلتها أحياناً . ألم تتساءل لماذا لا تموت القردة المصابة بمرض الإيدز بسرعة ؟ الجواب هو لأنها لا تعلم بأنها مريضة. إن من يستحوذ الألم على حياته يفقد الأمل، ومن فقد الأمل مات مرتين.
يقول الطُغرائي:
أُعلل النفس بالآمال أَرقُبها
ما أضيق العيش لولا فُسحة الأَمَلِ
الألم أستاذ فَذّ ، يخبرنا عن أنفسنا و يكشف لنا ما بَطَن من أسرارها و ما احتجب منها عنا. و الألم يقرّبنا من معرفة الحقيقة ، فمعظم الحقائق مؤلمة ، إلا أننا نسعى للوصول إليها.
الألم مدرسة العظماء ، و هو الطريق المؤدي إلى الحكمة ، و كلما زادت الطرقات وعورة ، كلما كانت نهايتها أجمل. لا يهم الطريق الذي تسلكه في رحلة الألم ، و لكن الأهم هي الطريقة التي تتعامل بها معه. فهناك من يتجاهل الألم و هناك من يُنكره ، أن تتجاهل الألم يعني أنك مدركٌ له إلا أنك غير آبهٍ به ، تُواجهه بالمضي عنه و بعدم التوقف عنده ، أما إنكاره فيعني أنك خائف منه ، و الخوف من الشيء يؤدي إلى تعظيمه.
الانشغال بالألم هو توقّفٌ مؤقَتٌ عن الحياة ، و هو إقحامٌ ساذج للعجز في عقولنا ، و العظماء فقط من يرون في الألم أكبر دافع للمقاومة ، فالجروح الغائرة تجعل الفرسان أكثر بسالة ، و لو لم يوجد الألم لما كان للنصر قيمة.
الألم لا يدمّر الإنسان ، بل الإنسان هو الذي يدمر نفسه عندما يختار الخضوع له ، و أبشع صورة لذلك الخضوع هو كثرة رثاء الإنسان لحاله و كثرة حديثه عن آلامه.
الفاشلون يتحدثون عن آلامهم، و الناجحون يتحدثون عن آمالهم. الناجحون يرون في الألم نعمة عظيمة ، فكلما تألّموا أكثر كلما تحكموا في حياتهم أكثر ، و عندما يتغلب الإنسان على آلامه يفهم المغزى من حياته.
يتألم الإنسان عندما يختزل الحياة بكل معانيها وحكاياتها وأيامها في ألم عضوي أو نفسي ، و ينسى أن الحياة أكبر من الألم بكثير ، بشرط أن يفهمها جيداً.
تُعتبر الوحدة أشد أنواع الألم قسوة ، و لذلك يسعى الإنسان إلى إحاطة نفسه بأناس يحبهم و يحبونه ، فصدور الأحباب خير دروع ضد الصدمات. الحب أفضل رُقْيَةٍ ضد الألم، والحُزنُ مع الجماعة فرحة.
عندما تخلو النفس من أهداف فإنها تكون أكثر عرضة للآلام ، فالأهداف السامية تشغل الإنسان بعظمتها عن كل ما دونها ، و كلّما عَلَت همّة الإنسان ، كلّما تضاءلت الآلام في عينيه.
الألم يجعلنا نحلم دائماً بغدٍ أفضل، و لولا الألم لتشابهت أيامنا ، و عندما تتشابه أيامك فاعلم بأنها قد قاربت على الانتهاء ، و الحياة دون أحلام هي حياة مؤلمة بلا شك. لو لم يوجد الألم لما وُجد الصبر، و لو لم يوجد الصبر لما وُجدت الفضيلة.
إن الذي يتألم كثيراً يرحَمُ أكثر.
الألم أفضل محفّز على الاستمرار، إنه ليس العصا و ليس الجزرة أيضاً، بل هو الرغبة في التخلص منهما.
لكي تتغلب على الألم عليك أن تختار ذكرياتك و لا تجعلها تختارك ، فذكرياتنا تصنع آلامنا و أفراحنا.
قد لا نستطيع التغلب على الذكريات، لكننا نستطيع التغلب على الآلام.

