افتحوا الأبواب كي تدخل السيدة

افتحوا الأبواب كي تدخل السيدة

الكلمات بصوتهhttps://soundcloud.com/hadouta/hiszrbn8yaea

.

افتحوا الأبواب لتدخل السيدة
من ينشغل بحزنه على فقد المحبوب ينشغل عن المحبوب
الآن أطلب من حزنى أن يتجه إلى أقرب بوابة و يغادر هادئاً كما أشاء أو هادراً كما يشاء لكن دون أن يلفت الأنظار.
لا يعجبنى جوعه و لا تلكؤه ، أكاد أكرهه تحديداً لهذا السبب ، كأنه حزن لا يثق بنفسه و كأنه إن اكتفى اختفى ، و كأننا لم نشاركه مقعده و مخدته و منديله و ملمس حذائه على زجاج ساعاتنا.
لست أنت المهم اليوم و لا أنا أيها الحزن ، أنا منشغل بها لا بك أنت.
بسعيها العسير للنصر فى مواجهات زمانها ، واجهت السرطان خمسة و ثلاثين عاماً و محدوثوها لا يرون فى حديقة لقائها إلا أشجار السرور وفاكهة السماح و الرضا
واجهت السائد المتفق عليه والطاغية المسكوت عنه و واجهت ، حتى الرمق الأخير ، الرمق الأغلى ، ركاكة الناطقين باسمنا ، و ركاكة الضوء المشترى و ركاكة الكلام و طقوس الهوانم
هى التى جعلت لقلبها يداً منصفة تصافح الأضعف و تصفع جملة الطاغية و شبه جملته، يداً تسهر الليالى لتصحح الواقع و الامتحان.
هى التى جعلت هشاشتها اسما آخر للصلابة . هى التى علمت الديكتاتور كيف ترفض انتباهه المشبوه لقيمتها ، و فى سلة مهملات واسعة قرب حذائها الصغير (نمرته خمس و ثلاثون) ترمى المناصب السمينة المعروضة و الألقاب الرفيعة المقترحة و دعوات الحظيرة / القصر التى يهرول إليها سواها ، مكتفية بفرح القارئ ببرق السطور من يدها و فرح الطالب ببرق المعرفة من عينيها ، هى الأستاذة صوتها ينادى أصوات طلابها لا آذانهم ، لأن صوتها يُسمع و يَسمع
و لأنها لم تسع إلى أى ضوء ، غدت بذاتها ضوءا فى عتمة البلاد ، و ضوءا بين أغلفة الكتب و ضوءا من أضواء اللغة العربية التى هى البطل الدائم و الأول فى رواياتها .
أخرج من أقرب بوابة يائسة أيها الحزن ، و دعنى أستبدل بك ابتسامتها التى تذهب حزن الرائى ، فابتسامتها رأى
و موضع خطوتها رأى .
و عناد قلبها رأى
و عزلتها عن ثقافة السوق رأى ، و دائما جعلت رأيها معروفا موقعا بإمضائها رغم زوار الفجر و فجور طاغية يروح و طاغية يجىء
رضوى جمال رأيها و رأيها جمالها
فالمظلوم يخسر إن لم يكن فى جوهره أجمل من الظالم
و هى لم تخسر جمالها حتى و هم يؤذونها بقبحهم و لم تخسر جمالها حتى وهى على مخدتها الأخيرة .
سيدة قليلة الجسد يتعبك تتبع خطاها ، تهدم السور الفاصل بين الجامعة و عموم الناس ، تظنها على مرتفعها الأكاديمى فتراها على أسفلت الميدان ذائبة فى تدافع التحرير العظيم و الكدمات التى توجعها توجع الطاغية قبلها ، تظنها فى همس القصيدة و هدأة الإيقاع ، فتراها فى صرخة التاريخ الخارج توا من يد القابلة و أرحام الشوارع .
و تظنها فى شوارع وسط البلد فتلقاها فى غيوم غرناطة و تظنها تجلس مع أبى جعفر تجلّد الكتب بخطوط الذهب ، أو تدبر الحيل المذهلة مع مريمة ، فتلقاها تأخذ بيدك إلى شاطئ الطنطورة و تقول لك ضع قلبك هنا ، ودعه هنا ، و ارسم غدك من هنا ، كى تعود إلى هنا ، إلى الساحل الأول
لم يأخذها اليأس إلى وضوحه المغرى ، لأنها تعلم أن الثورة لا تنتصر إلا بعد أن تستكمل كل أشكال الخيبة
و لم تمنحنا أملاً كاذباً ، بل دعت نفسها و دعتنا للتحمل . و تحملت
و على عصا المجاز و عصا خشب البلوط ، واصلت السير فى طريقها الطويل ، تختصره بالرفقة
و الرفقة جيل أحبها و أحبته ، جيل قادم بصباياه و شبابه (الحلوين كما تصفهم دائماً) يصعد جبل السؤال و المساءلة ، و البحث عن الحقيقة تحت كومة القش الرسمى ، جبل الفضول العظيم الذى وحده يزيد العيون اتساعاً و العمود الفقرى استقامة
جيل يرى أن الثوابت ما خلقت إلا لكى نرجها رجًّا و نهتك معها ما يستحق الهتك ، حتى نعرف الفرق العظيم و القاسى بين الوراء و الأمام .
تنشق فى أول العمر عن ثوابت الجدود و النص ، و التعاليم
تمزق العباءة الموحدة المقترحة لكل أجسادنا لأنها تحترم الجسد لا العباءة ، تنقد بدراساتها المدهشة كتب الإبداع و بإبداعها المدهش تنقد العالم ، و تصعد
أتركوا الأبواب مفتوحة ، ليخرج الحزن
و لتدخل السيدة
وقع خطاها خفيف و أكيد على هذا الدرج
إننى أسمعه يقترب
رضوى عاشور جزء مما سيصنعه هذا الجيل فى أيامه الآتية و هو جزء مما صنعته فى أيامه الماضية .
أثقل من رضوى ما تركتنا له و ما تركته لنا .
رضوى عاشور تركتنا بعدها لا لنبكى بل لننتصر .
تركتكم بعدها لا لتبكوا بل لتنتصروا .