الألم والتغيير

الألم والتغيير

بالطبع فإن التغيير يعد مرحلة مؤلمة، لأن الانسان يعيش في حالة من التناغم والانسجام في مستوى معين، ثم يحدث انتقال إلى مستوى آخر. في هذا المستوى نوع مختلف من التناغم والانسجام، والمرحلة الانتقالية هي مرحلة صراع لا يستطيع الإنسان فيها البقاء لا في مستواه المعتاد ولا في المستوى الجديد.

_جوهر من التغيير

   لا يمكن تجاوز ألم التغيير إلا بقوة الإرادة، التي تفعّل عند الإنسان إمكانية الاختيار لا الجبر. فعندما تتغلب عليه شهوته يتحول لكائن بهيمي وعندما تتغلب عليه خيالاته وأفكاره يصبح كائناً حالماً. حيث أن الإنسان لا يختار ألم التغير إلا إذا كان ألم عدم التغيير أكبر منه. فالتغيير لا يمس فقط الجانب الجسدي، فحتى الجانب الروحي أيضا، فمن لم يغذّ كيانه الروحي والوجداني لن يذوق طعم الحياة الحقيقي. قد يختار الإنسان التغيير مع تحمله الألم، عندما يدرك المميزات الناتجة عنه. كما أن للحب أثر كبير في تخفيف ألم التغيير، لأن التغيير من أجل من نحب يجعلنا نركز على الجانب الإيجابي الذي يجعلنا نتجاوزه بسلام.

_سؤال التغيير

     دوما ما نسأل لماذا؟ لأن عقولنا مصممة على مبدأ السببية، فالسؤال لماذا هو الذي يخرج الإنسان من معتقدات خاطئة إلى معتقدات صائبة. كما ان هناك حدود للسؤال نقف عندها، كالتدخل في حكمة الله، لأنه سبحانه الخالق والإنسان هو المخلوق لا يمكنه خلق مصير آخر للبشر أو وضع نظام خاص بالخلق. مهما بلغ الإنسان من العلم فهو محدود أمام علم العليم. وما يحدث فرقاً أثناء التغيير كسؤال كيف اجعل من التغيير نقطة تحول في حياتي؟  وماذا لو غيرت تفكيري ووجهة تركيزي. فالأسئلة التي إجاباتها لا تحدث فرقا، لن تصنع الفارق في حياة الإنسان. لذلك عليه البحث دائما عن صناعة الفارق في الحياة، حتى يظهر ما أودعه الله فيه للوجود.

-  التغيير مرتبط بنوعية الحياة

على الانسان أن يركز على ما يحرك طاقة الحياة فيه، وليس على ما يثبطه من سلبيات في الألم. ولأننا اعتدنا على مستوى نضوجٍ أقل، لذلك فإننا عندما نغيره إلى مستوى أعلى، فإننا نتألم. كلما كانت الحياة لدينا شديدة التراخي، كلما أصبح الألم أشد عندما نقرر ممارسة التغيير. من أجل ذلك، يجب البحث عن السبل المناسبة. للوصول إلى مستوى يسمح بتصور الهدف، والسعي لتحقيقه مهما كانت الظروف، باستراتيجيتها الفعالة لنجاح تسيير التغيير في مختلف مجالات حياتنا.

-  التحول من الضعف الى القوة

ألم التغيير ليس إلا مرحلة تحوّل من ضعف إلى قوة بفعل الإرادة. وما يكشف من فتوحات وينجز من نجاحات هو ثمرة الجهود المبذولة. فالوجود بأسره يتغير وكل جزء يتغير، تتأثر به باقي الجوانب تلقائياً. الكثيرين يعانون من انعدام الثقة في النفس، والإرادة القوية هي التي تبنيها، بتجاوزهم ألم الصراع مع ذواتهم ومع البشر.

    فمن الممكن جعل الألم أداة بناء لا تدمير للذات، تفتح مجال لخلق علاقات اجتماعية، عاطفية وعلاقات مهنية في بيئة العمل، ولا ننسى علاقة الإنسان مع ذاته التي تمتاز بقوة الاستبصار والفهم لها. وهذا ما يساعد الانسان على اتخاذ قرارات صائبة في الحياة، وهنا تتحول الحياة إلى متعة أكثر من معاناة. فور التعود على الحياة الجديدة بمستوى وعي أرقى وأشمل، مع مرور الوقت تتشكل عند الانسان طاقة ذاتية متجددة. فلحظة التي يقرر فيها الانطلاق يستجيب جسده، عاطفته، عقله وروحه والكون بأسره. لأنه وصل لمرحلة يفعل ما يريد بوعي، ساعتها فقط يختبر الحرية التي يتوحد فيها العقل والجسد والروح بتكامل مع قوة إيمانه وسعيه وتوكله على الله سبحانه وتعالى.

النقلة في الألم

   تنتج من الاختيار الإرادي الروحي تجاه التغيير، وهذا ما يجعل رؤية الإنسان للحياة وللألم تتسع أكثر. فهناك من يحدث لهم التغيير أسرع من غيرهم، إذا كان لديهم اضطراب أكبر في حياتهم. وهذا يحدث تلقائيا للوصول الى حالة تناغم وانسجام بين الذات والحياة. لذلك الألم المصاحب للتغيير لا يحدث للمذنبين والعاصين والمتمردين فقط بل يحدث كذلك للمتقين والصالحين. فما دام الانسان يحيا في هذه الحياة سيعيش الكثير من النقلات في حياته، جراء التغيير المستمر لما هو أرقى وأصلح له وللخلق أجمعين.

 الرؤيا الأبعد

   التجارب المؤلمة التي تحدث نقلة في حياة الإنسان، تدعوه لإشاحة نظره عن كل ما هو مادي وتطالبه للرؤية ما هو أبعد من كيانه المادي. وهو الكيان الروحي الذي يجعله يتغلب عن خوفه من الفقد، وشهوته لتملك كل شيء. فالجوهر ما يبقى ويزدهر في الذات والحياة، لذلك يجب التعامل مع الألم كأداة ترقية. فهناك من يُولد من ألمه الصبر والصبر تزكية له تجعله يحيا في مستوى وعي أرقى، لذلك يجب التفكير دوما في إمكانية ممارسة التغيير. بجانبه الإيجابي والذي يمكن المرء من تفعيل طاقاته الكامنة. فتحمل الأحمال الروحية في الألم ينمي الكيان الروحي الباقي للإنسان الذي يأخذه معه للحياة الأبدية والذي يمنحه الإحساس بروعة ومتعة الحياة الآنية.