يا منبع الغنى،
يا دافق العطاء،
يا مفيض الكرم،
يا فيَّاض النعم...
مِن فيضك أنت،
كلّ الخلائق تستقي،
و لقلب الوجود من فيض حبّكَ ينبض...
فلا أول غيرك ببالي يخطر،
و لا آخر سواك، قلبي إليه يخفق...
فبوَجْهي الحزين، إليك أتوجَّه...
و لك أدعو، وبك أتضرَّع..!
ببابك عبدٌ واقف،
قلبه بنورك مغسول،
و روحه بحبْل وصْلك معقود...
لا أباطيل عنك تُبعده،
و لا وساوس عنك تحجبه...
أنت للحق هديتَني،
و بنوره سقيتَني...
فما وجدتُه،
أنت فيَّ أوجدتَه...
و ما أُوتيته،
أنت به آتيتني...
فيا ربَّاهُ..!
لك أوجّه وجهي،
و عليك أوقف حبّي وَوَجْدِي..!
لأْلاءُ نورك، فوق الأشياء منشور...
به يكتحل المبصرون،
و به ينعم الناظرون...
أما العميان،
فإنهم عن النور محجوبون،
و عن الأغوار مبعدون...
فهم مسطَّحون،
على الغوص في الأشياء لا يقدرون...
أما الناظرون،
فإنهم بمعيتك يشعرون...
فأنت فيهم دائم،
و حضورك فيهم قائم...
فيا مَرْضَى القلوب،
هو لقلوبكم دواء...
و يا مرضى الغفلة،
متى إليه تتوجهون...
فلِغَيرك لا أوجّه وجهي،
و مِن سواك لا أنتظر رفدي..!
بالعطاءِ مُنَّ علينا،
و من جَورِ الزمان أغثنا،
و على عالَمنا بالرحمة تجلَّى...
لتغدو القفار رياضًا،
و الصحارى جنانًا...
و جفاف السواقي بالأمواه تتدفق،
و بالرواء تسبق...
و على عبدك تَعطَّف،
و به تلطَّف...
على بابك محبوس،
ظامئ للَفْتة من لفتاتك...
فإنْ كنت بي لا تعبأ،
و إليَّ لا تنظر،
غير أني لغيرك لا أتوجه،
و لسواك لا أنظر..!
يا موتى القلوب،
يا غافلون، يا تائهون...
هاكم حياض الإيمان،
بها اغسلوا قلوبكم،
و اغمسوا أرواحكم...
تَعُدْ الحياة إليكم،
و تجري من جديد في عروقكم...
و إنْ كنتم للاطمئنان تنشدون،
و الأمنَ تريدون،
فعنهما خارج الإيمان لا تفتّشون،
و في سواه بهما لا تحظون..!
قلبي عليكم يتفطَّر،
و على حالكم يبكي،
و على مصيركم الأخرويّ يتوجع...
فيا ربَّاه..!
إنْ إلى غير وجهك الكريم يتوجه الغافلون،
فإنّي إلى وجهك وحدك أتوجه،
و لسواك لا أنظر،
و غيرك لا أريد..!
آياتك الباهرات،
و أضواؤك الساطعات،
مالئات مُفْعِمَاتٍ،
للأشياء والكائنات...
و لأعلامهنَّ ناشرات،
على رؤوس الأشهاد،
و في كل ظاهر و باطن،
وحيّ و جامد..!
و الحيارى في ذهولهم سادرون،
عن برهان وجودك يبحثون...
فكأنَّ سطوع الشمس لا يكفي عليها برهانًا،
و إشراق الأمكنة لا يكفي عليها دليلاً..!
فلولا تجلياتك على الأكوان،
ما أضاء مظلم،
و لا ظهر من العدم وجود..!
فإلى وجهك وحدك أتوجّه،
و لسواك لا أنظر،
و غيرَك لا أريد..!
العالم كتاب...
لو بإمعان قرأتَ،
لوجدتَ،
كلماته باهرات،
و حروفه ساطعات،
و أسطره واضحات...
كُلُّ ما فيه يتكلم، يترنم،
بأناشيد التوحيد يتغنى...
نباته وشجره وترابه وحجره،
الكل في تسبيحه غارق،
منه يستمد الوجود،
و من اسمه "الحي" يستمد الحياة..!
فيا ربَّ الكائن والكون،
و الجامد و الحي،
و الناطق و الصامت..!
لا تجعلني أشقى خلقك،
و عن بابك تردني و تطردني...
فوالله إلى غيرك لا أوجه وجهي،
و عنك لا أرتضي بديلاً،
مهما على بابك طال وقوفي..!
يا عارفًا..! هنيئًا لك...
عرفتَ فالزم...
و هبتَه قلبك،
و ذبَحتَ بين يديه روحك...
و يا عاشقًا..!
دموعك شفيعتك إليه،
فَزِدْ دمعًا،
و بكاءً و شوقًا..!
أما أنا...
فإني ذلك "القطمير"،
الذي بالباب،
باسط كفّيه في ضراعة،
رامقًا الباب...
ينتظر متى يفتح،
و متى بالدخول يسمح...
فبحقّ جلالك وجمالك،
لو أبقيتَني بالباب ألف سنة،
ما الْتفتَ وجهي لغيرك،
و عن بابك لا يريم،
و لسواك لا ينظر..!

