مقاومة التدجين

مقاومة التدجين

عن كائنٍ يقاوم التَّدجين ||
أداعب شاشة الجوال متعجّلاً ، أتصفح المحادثات و المنشورات و التغريدات ، يظهر أن موجة من ( اليأس ) تخيّم على النفوس الحالمة ، التي امتزجت بالهواء يوما ، يوما كانت فيه تقطُر إيماناً .. فألاً .. حُبَّاً للأرض و من عليها
هنا صديقة ، قريبة ، أمّ لطفلتين ، تصارع الواقع لأجل تهيئة تربة صالحة لاستنبات أحلام شاحبة . هناك ، على ناصية الانخراط في روتين العمل ، شاب يبحث عن نافذة يتسلل منها عبير ما كان يؤمن به ذات حُلْم. آخرٌ ،  يصارع في ردهات المستشفى ، مطحون بين رحى الواجب و سندان الضّمير. هناك ، شابٌّ طابعه سماوي ، لدرجة أنّ كل ما يلمسه يستحيل للزُّرقة ، يكافح من أجل جمع مبلغ من مال يسد احتياجاته الأوليّة ، قبل أن يفكر في الـ( حُلم ) ، حُلمه .!
هناك ، بعيدا عن هرائنا ، على شاطئ ليبيا ، لاجؤون ، سلّموا أنفسهم لمَلكِ المَوت ، بعد أن لفظتهم الحياة ، كانوا يؤمّلون كثيرا بحياة تشبه الحياة في الفردوس ، و قد تحققت لهم سبل معيشة كريمة ، إلا أنهم غرقوا في منتصف الطريق نحو الحلم .
وكأنّ الاحلام لم تعد كافية لاحتواء جراح يتجدد نزفها ؟! وخفافيش الظلام ، تطير بحرّية ، لتحجب عن المطحونين - عنّا - أنوار الآمال التي كانت تتغذى عليها أحلامنا دهرا ...
أُلْقِي الهاتف بعيدا ، أتوجه للمطبخ ، أفتح الثلاجة ، و أتناول قنينة ماء ، ثم أشربها جرعة واحدة ، و أرتب نفسي لمغادرة المنزل . و هُنا ، على مقام الكرد الذي يقرأ به إمامنا حسن غالبا ، يَفِدُ إلى أذني شطر آية من سورة أحبها كثيرا ، و كأنّ حسن يكرّر ذلك الشّطر ليذكّرني ، و كأن هذا الشّطر هو رسالة اليوم و كلّ يوم ، كأنه تنبيه لكل حالمٍ يأبى التّرويض : { يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف و أخيه ولا تيأسوا من رَوحِ الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } ، كأنّه يقول لي ، و لهم : اليأس كُفر .. اليأس كُفر .. اليأس كُفْر ...
أتابع خطاي نحو السيارة ، أفتح الباب ، صوت المحرّك يؤذن بانطلاق المسير نحو موعد مع صديق .
" اليأس .. كفر " لا تزال تدور في مكان ما بعقلي .. بقلبي .. و برفقتها ، نظرة عابرة لشاشة الجوال ، نظرة آملة في أن يبقى اليأس ( افتراضيا ) بأركان social media ، و أن يضجّ ( الواقع ) بحياة كلّها أمل .. كلّها [ حَالمين ضدّ التّدجين ] .
عمر
١٥ ذو القعدة ١٤٣٦ هـ
٣٠ أغسطس ٢٠١٥ م